الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح
143
سبك المقال لفك العقال
دخل عليه يوما الشيخ العارف أبو عبد اللّه بن سلطان « 1 » فقال له : يا شيخ أبا محمد ما عصى اللّه أحد قط ؛ فقال له إياك أن يسمعك علماء الرسوم ، فأخاف عليك ؛ وقال له يوما الشيخ أبو محمد لما دخل عليه أبو عبد اللّه بن سلطان ، قال له : نحن نؤدب العوام ، وأنتم تؤدبون الخواص ، وهذا منه إقرار بديع ، وشرف باذخ وعز منيع ، حسنات الأبرار سيئات المقربين . وكان ابن دقيق العيد « 2 » الفقيه المصري يقول فيما أخبرني بعض أصحابنا العدول عمن سمع عنه ، أنه سئل عن كلامه كيف هو ، فقال أراد اللّه منه أن يقوله ، وأراد منا أن نسمعه ، وهذا من الفقيه كلام موجّه والكلام الموجّه ليس بنص في المسألة ، وإنما يحتمل الوجهين المدح والذم ، وهذا دأب الفقهاء مع الصوفية قديما وحديثا ، إلا أحادا من الفقهاء ، - وفقهم اللّه ، وأزال عنهم البطر والكبر ، فإنهما يصرفان عن الحق ، ويغبطان بالخلق ؛ قال تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها الآية « 3 » ابتهج به أكثر أهل الديار المصرية ، والبلاد الحجازية وجلس هنالك يتكلم ، وعظم بها تعظيما كثيرا . وأما أهل بلده فخدمه كلهم ، ورجال الدولة كلهم يتبركون بخدمته ، ويعملون على امتثال أوامره ومبرته ، ظهرت بركاته ، وبهرت حركاته ، فكان أهل الفسوق كالآل أو السراب ، ولما توفي صلى اللّه عليه الخليفة الإمام المنصور بفضل اللّه أمير المؤمنين أبو عبد اللّه ابن أمير المؤمنين « 4 » بجامع الزيتونة المباركة
--> ( 1 ) يظهر من التحلية المذكورة أنه كان من رجال التصوف الكبار والمغمورين أيضا . ( 2 ) محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المشهور كابنه وجده بابن دقيق العيد ، من كبار الأعلام العلماء في الفقه والأصول ، أصل أبيه من منفلوط بمصر ثم انتقل إلى قوص حيث ولد هذا الفقيه في ينبع منشأ بقوص ورحل إلى دمشق ثم مكث بالإسكندرية والقاهرة متوليا أمر القضاء سنة 695 واستمر فيه إلى أن توفي ، ولابن دقيق العيد تصانيف وفيرة ، مع ما عرف به من رقة الجانب ، وظرف المجالسة ، وغزارة العلم ، وكانت وفاته سنة ( 702 / 1302 ) ، له ترجمة في : الدرر الكافية 4 : 91 ، مفتاح السعادة 2 : 219 ، فوات الوفيات 2 : 244 ، شجرة النور : 189 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 146 . ( 4 ) أبو عبد اللّه محمد المستنصر بن أبي زكريا الحفصي .